لم يكن عرض الوزير الأول المختار ولد اجاي لبيان السياسة العامة للحكومة أمام الجمعية الوطنية اليوم السبت، مجرد استعراض تقليدي للبرامج الحكومية، بل شكل مناسبة لتقديم حصيلة واسعة من التدخلات والإصلاحات والمشاريع التي شهدتها موريتانيا منذ عام 2019، وكشف حجم التحولات التي عرفتها قطاعات حيوية ترتبط بصورة مباشرة بحياة المواطنين ومستقبل البلاد.
فمن التعليم والصحة، إلى المياه والكهرباء والطرق، مرورا بالحماية الاجتماعية والإصلاح الإداري وتعزيز الحكامة، قدم الوزير الأول أرقاما ومعطيات تعكس اتساع نطاق التدخل الحكومي، وحجم الاستثمارات التي تقول الحكومة إنها وجهتها لتطوير البنية التحتية وتحسين النفاذ إلى الخدمات الأساسية، في سياق اقتصادي وإقليمي ودولي لم يخل من التحديات.
ولعل أبرز ما يميز هذا العرض هو تعدد المجالات التي شملتها الحصيلة، وعدم اقتصارها على قطاع بعينه، وهو ما يتيح قراءة مسار العمل الحكومي من زاوية شمولية، تستحضر حجم الاحتياجات التنموية التي تراكمت على مدى عقود.
اقتصاد يحافظ على النمو وبرامج اجتماعية واسعة
في المجال الاقتصادي، كشف ولد اجاي أن متوسط النمو الاقتصادي تجاوز 4% خلال الفترة 2019-2026، رغم الأزمات الدولية والتوترات التي شهدها الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن الدين العام الخارجي انخفض إلى أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026.
وفي الجانب الاجتماعي، قدم الوزير الأول أرقاما لافتة، من بينها استفادة أكثر من 350 ألف أسرة من التحويلات النقدية، وصرف مساعدات مالية للمتقاعدين وموظفي الدولة، ورفع الحد الأدنى للأجور، فضلا عن تخصيص أكثر من 80 مليار أوقية قديمة خلال عام 2026 وحده لدعم أسعار المحروقات والكهرباء.
كما تضاعفت اعتمادات الأجور في ميزانية الدولة بين عامي 2019 و2026، بالتزامن مع زيادات في الرواتب والعلاوات، شملت أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن والمدرسين.
وتكشف هذه المعطيات عن حضور البعد الاجتماعي ضمن أولويات السياسة الحكومية، من خلال الجمع بين الاستثمار في البنية التحتية والتدخلات المباشرة لدعم الأسر والفئات الأقل دخلا.
التعليم.. نحو 7600 حجرة دراسية وتوسيع فرص التكوين
في قطاع التعليم، أعلن الوزير الأول إنجاز نحو 7600 حجرة دراسية منذ عام 2019، تسلم نصفها تقريبا خلال عامي 2025 و2026، إلى جانب مضاعفة القدرة الاستيعابية للتعليم العالي والتكوين المهني.
ولا تقتصر أهمية هذه الحصيلة على التوسع الكمي في البنية التحتية، بل ترتبط أيضا بتوفير ظروف أفضل للتمدرس، وتوسيع فرص الوصول إلى التعليم، وتعزيز قدرات المؤسسات التعليمية على استيعاب الأجيال الجديدة.
كما تحدث عن فتح داخليات مدرسية في ست مدن، هي بوسطيله وأوجفت وكيهيدي وألاك وكيفه وأطار، فضلا عن إنشاء صندوق لسكن المدرسين استفاد منه أكثر من 1300 مدرس، مع التحضير لإعلان دفعة ثانية تضم 1227 مستفيدا.
الصحة.. توسع في المنشآت وتجهيزات قيد الإنجاز
وفي المجال الصحي، استعرض ولد اجاي ما تحقق من بناء وتجهيز مستشفيين جهويين، وتوسعة وترميم مركز استشفائي وطني، مؤكدا أن الأشغال تتواصل لبناء خمسة مستشفيات جهوية، ونحو 65 مركزا صحيا، و114 نقطة صحية.
كما تشمل المشاريع الجارية توسعة وترميم خمسة مستشفيات وطنية، إلى جانب مشاريع صحية جديدة أُطلق تنفيذها ضمن المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط.
وتكتسب هذه المشاريع أهميتها من ارتباطها المباشر بتقريب الخدمات الصحية من السكان، وتوسيع القدرة الاستيعابية للمنظومة الطبية، وتقليل الحاجة إلى التنقل نحو العاصمة للحصول على العلاج.
المياه والكهرباء.. مشاريع هيكلية لتوسيع النفاذ إلى الخدمات
وفي قطاع المياه، قدم الوزير الأول معطيات عن زيادة إنتاج إديني بأكثر من الضعف، ومضاعفة إنتاج آفطوط الشرقي ثلاث مرات، إلى جانب مضاعفة كمية المياه المتاحة لمدينة نواذيبو.
كما أعلن عن حفر 1340 بئرا جديدة منذ عام 2019، وإطلاق مشروع سقاية 165 تجمعا سكنيا في ولايات لبراكنه وتكانت ولعصابه، ومشاريع أخرى تستهدف تعزيز إنتاج المياه وتوسيع شبكات التوزيع.
أما في مجال الكهرباء، فأشار إلى اقتناء 55 مولدا كهربائيا منذ عام 2019، وإطلاق الأشغال في ثلاث محطات إنتاج جديدة، والعمل على كهربة أكثر من 400 قرية، فضلا عن تعبئة الموارد اللازمة لتمويل مشروع خط الجهد العالي الرابط بين نواكشوط والنعمة.
وتعكس هذه المشاريع اتجاها نحو معالجة الاختلالات البنيوية في توفير الخدمات الأساسية، خصوصا في المناطق الداخلية، حيث لا تزال تحديات المياه والكهرباء من أبرز العوائق أمام التنمية المحلية.
الطرق والبنية التحتية.. أرقام تعكس اتساع ورش الأشغال
وفي مجال الطرق، أعلن ولد اجاي إنجاز 784 كيلومترا من الطرق الجديدة منذ عام 2019، وإعادة بناء 997 كيلومترا أخرى، فيما تتواصل الأشغال في بناء أو إعادة تأهيل 1431 كيلومترا.
ومن أبرز المشاريع التي أشار إليها اكتمال إعادة تأهيل طريق الأمل، وإعادة بناء طريق بوكي ـ كيهيدي، وإنجاز طريق كرمسين ـ ميناء انجاكو، والطريق الدائري لنواكشوط، إضافة إلى نحو 86 كيلومترا من الطرق الحضرية بالعاصمة.
كما استعرض عددا من المحاور الطرقية التي لا تزال الأشغال فيها متواصلة، من بينها النعمة ـ انبيكت لحواش، وتجكجة ـ سيلبابي، وأطار ـ شنقيط، وأمرج ـ عدل بكرو، وأكجوجت ـ أطار.
وفي العاصمة نواكشوط، اكتملت الأشغال في ثلاثة جسور، هي جسور التآزر والصداقة والحي الساكن، فيما يجري التحضير لإطلاق أشغال خمسة جسور جديدة.
هذه الأرقام تبرز حجم الورش المفتوحة في قطاع النقل، وما يمكن أن تتركه من آثار على فك العزلة، وتحسين حركة البضائع والأشخاص، وربط المدن والتجمعات السكانية بمراكز الخدمات والأسواق.
إصلاحات مؤسسية ورقمنة لتعزيز الشفافية
ولم يقتصر العرض على المشاريع المادية، بل تناول أيضا الإصلاحات التشريعية والإدارية، حيث أعلن الوزير الأول أن الحكومة السابقة صادقت على 156 مشروع قانون، وأصدرت 383 مرسوما تنظيميا شملت مجالات متعددة.
ومن بين النصوص التي أشار إليها مدونة الاستثمار، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومدونة الطلبية العمومية، وقوانين مكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات والمصالح، وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد.
كما توقف عند مسار رقمنة الإدارة العمومية، مستشهدا بتنظيم المسابقات الوطنية إلكترونيا، وما أتاحه ذلك من تعزيز الشفافية والفعالية في إجراءات اكتتاب 3000 موظف و3852 مدرسا.
وتكتسب هذه الإصلاحات أهميتها من كونها تستهدف تطوير الإطار القانوني والمؤسسي الذي تعمل من خلاله الدولة، وتحسين كفاءة الإدارة، وتعزيز قواعد المساءلة والشفافية.
بين الحصيلة والتحديات.. ما المطلوب في المرحلة المقبلة؟
إن قراءة بيان السياسة العامة للحكومة تقتضي التمييز بين المشاريع التي اكتملت فعليا، وتلك التي لا تزال قيد التنفيذ، والبرامج التي دخلت مرحلة التعبئة أو التخطيط.. فالأرقام المعلنة تقدم صورة واسعة عن حجم العمل الحكومي، لكن قياس الأثر النهائي يتطلب أيضا متابعة جودة الخدمات ومدى وصولها إلى المستفيدين، واحترام آجال الإنجاز، واستدامة المنشآت والتجهيزات.
ومن اللافت أن الوزير الأول نفسه لم يقدم الحصيلة باعتبارها نهاية للمسار، بل أقر بأن الإنجازات المحققة لا تخلو من النقص والقصور، وأنها تظل دون مستوى تطلعات المواطنين، مؤكدا مواصلة العمل على معالجة الاختلالات وتحسين الأداء.
وهنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة، التي حددت الحكومة من بين أولوياتها تحسين القدرة الشرائية، وتنشيط التنمية الاقتصادية والزراعية في الولايات الداخلية، وإعداد رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأمد.
اسلمو ولد الطالب أحمادو يكتب: بيان الوزير الأول أمام البرلمان.. عندما تتحدث الأرقام عن مسار التنمية وحجم التحولات








