الشباب وتمكين الكفاءات: من الخطاب إلى الممارسة / محمد سالم سيد آمين

جاء خطاب معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، أمام الجمعية الوطنية، بمناسبة عرض السياسة العامة للحكومة لسنة 2026، محمّلًا بجملة من الرسائل السياسية والتنموية المهمة، عكست توجهًا نحو تطوير أداء الإدارة العمومية، وترسيخ الحكامة الرشيدة، والانتقال بالتخطيط التنموي من منطق التدبير الآني إلى أفق استراتيجي طويل المدى.

ولعل أكثر ما يستوقف المتابع في هذا الخطاب هو الحضور الواضح لقضية الشباب، ليس باعتبارهم مجرد فئة اجتماعية تستحق الرعاية والدعم، وإنما بوصفهم ركيزة أساسية في بناء الدولة، وشركاء في صناعة الحاضر، وحملة مشعل المستقبل.

وقد حمل الخطاب مؤشرات إيجابية تستحق التثمين، من بينها التأكيد على ضخ دماء شابة في الإدارة العمومية من خلال مسابقات شفافة، والاستثمار في التعليم والتكوين والتشغيل، ومضاعفة التمويلات المخصصة للمبادرات الشبابية، فضلًا عن التوجه نحو الاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير كفاءة الإدارة ورفع أدائها.

كما أن الدعوة إلى إعداد رؤية وطنية لموريتانيا في أفق 2060 تمثل فرصة تاريخية أمام الأجيال الصاعدة للمشاركة في صياغة مشروع وطني يتجاوز الحسابات السياسية والآجال الانتخابية، ويؤسس لتنمية مستدامة تتراكم فيها الإنجازات وتتواصل فيها الإصلاحات.

غير أن الإنصاف يقتضي القول إن تمكين الشباب لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التكوين والتشغيل وإطلاق المبادرات، مهما كانت أهميتها؛ فالشباب لا يريدون أن يكونوا مجرد مستفيدين من السياسات العمومية، بل يتطلعون إلى أن يكونوا شركاء حقيقيين في صياغتها وتنفيذها، وأن يجدوا مكانهم الطبيعي في دوائر صنع القرار وتسيير المؤسسات الوطنية.

وهنا تبرز واحدة من أهم الإشكالات التي لا تزال تواجه الكفاءات الشابة في بلادنا، والمتمثلة في محدودية فرص الوصول إلى التعيينات الإدارية والسياسية السامية، واستمرار بعض الممارسات التي تجعل تقلد المناصب العليا محكومًا أحيانًا باعتبارات غير مرتبطة بالكفاءة والاستحقاق، أو بشبكات النفوذ والعلاقات والاعتبارات الضيقة.

إن من أبرز التحديات التي تواجه الشباب في هذا المجال:

أولًا: محدودية تكافؤ الفرص في التعيينات السامية، حيث لا تزال الكفاءات الشابة تواجه صعوبة في الوصول إلى مواقع المسؤولية العليا، رغم ما تمتلكه من مؤهلات علمية وخبرات مهنية وقدرات على الابتكار والتجديد.

ثانيًا: هيمنة الاعتبارات التقليدية على بعض خيارات التعيين، على حساب معايير الكفاءة والتخصص والتجربة والنزاهة، وهو ما يحد من فرص بروز قيادات شابة قادرة على تقديم إضافة نوعية للمؤسسات العمومية.

ثالثًا: ضعف مسارات التأهيل والترقية المهنية، وغياب مسارات واضحة تتيح للموظف الشاب أن يتدرج بصورة طبيعية وشفافة من المسؤوليات التنفيذية إلى مواقع القيادة وصناعة القرار.

رابعًا: محدودية تمثيل الشباب في مراكز القرار، سواء في الإدارات المركزية أو المؤسسات العمومية والهيئات الوطنية ومواقع المسؤولية السياسية، بما يجعل حضورهم في كثير من الأحيان دون مستوى طموحاتهم وإمكاناتهم.

خامسًا: الفجوة بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات التعيين، إذ لا يكفي الحصول على الشهادات العليا وحده لضمان النفاذ إلى المسؤوليات، ما لم تتوفر منظومة عادلة لتثمين الكفاءات والخبرات وإتاحة الفرص أمام أصحابها.

ومن هذا المنطلق، تكتسب إشارة الوزير الأول إلى إعداد مرسوم جديد يفصل بين المناصب الإدارية التي تتم الترقية إليها وفق معايير موضوعية، والمناصب ذات الطبيعة السياسية التي تحتفظ الحكومة بصلاحية التعيين فيها، أهمية خاصة.

إن نجاح هذا الإصلاح سيكون اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية التوجه نحو إدارة عصرية قائمة على الاستحقاق؛ فالمطلوب ليس مجرد إصدار نص تنظيمي، وإنما إرساء ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة والخبرة والنزاهة وحسن الأداء أساسًا للتعيين والترقية، وتضمن للشباب مسارًا مهنيًا واضحًا لا تصادره الاعتبارات الشخصية أو السياسية.

كما أن المناصب السامية ليست امتيازات محجوزة لفئات أو أجيال بعينها، بل مسؤوليات وطنية ينبغي أن يتولاها الأقدر على أدائها، بصرف النظر عن عمره أو خلفيته، متى استوفى شروط الكفاءة والاستحقاق.

إن الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من خطاب تثمين الشباب إلى سياسة عملية لتمكينهم، ومن الاعتراف بقدراتهم إلى منحهم الثقة والمسؤولية، ومن مطالبتهم بالمشاركة في بناء الوطن إلى إشراكهم فعليًا في إدارة مؤسساته.

ولعل المرحلة الجديدة، بما تتضمنه من إصلاح إداري وتخطيط استراتيجي طويل الأمد، تشكل فرصة مناسبة لإطلاق ديناميكية وطنية جديدة، يكون عنوانها تجديد النخب، وتكافؤ الفرص، وتداول المسؤوليات على أساس الكفاءة، وإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات الشابة.

فموريتانيا لا ينقصها الشباب المؤهل، ولا الكفاءات القادرة على الإبداع والعطاء، وإنما تحتاج إلى منظومة تتيح لهذه الطاقات أن تتحول إلى قوة فاعلة داخل مؤسسات الدولة.

إن الشباب لا يطالبون بامتياز خارج القانون، ولا بمناصب على حساب الكفاءات الأخرى؛ إنهم يطالبون بفرصة عادلة، وبأن يكون معيار الوصول إلى المسؤولية هو الاستحقاق لا المحسوبية، والكفاءة لا الولاء الشخصي، والقدرة على الإنجاز لا مجرد القرب من دوائر النفوذ.

وتلك، في تقديري، إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن تترجمها الحكومة في المرحلة المقبلة، حتى يصبح تمكين الشباب واقعًا مؤسسيًا ملموسًا، لا مجرد عنوان جميل في الخطابات والبرامج.

 

j