يبدو أن مسار التهدئة السياسية الذي تبناه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يقترب من استكمال حلقاته، مع تنظيم منتدى الجاليات الموريتانية بالخارج؛ فالمقاربة التي انطلقت من الداخل، بفتح قنوات التواصل مع مختلف الأحزاب السياسية، بما فيها أحزاب المعارضة، ومدّ جسور الحوار معها، تتجه اليوم إلى توسيع دائرتها لتشمل الموريتانيين في المهجر، فيما ينتظر أن يشكل الحوار السياسي المرتقب محطة أخرى لتعزيز هذا المسار وتوسيع أرضيته المشتركة.
وإذا كان الانفتاح على المعارضة في الداخل قد مثّل خطوة نحو احتواء التباينات السياسية داخل المشهد الوطني، فإن الالتفات إلى الجاليات في الخارج يحمل دلالة لا تقل أهمية؛ فهذه الجاليات ظلت، على امتداد فترات من تاريخ البلاد، موضع حذر وتوجس من الأنظمة المتعاقبة، بل نُظر إلى بعض مواقفها وتحركاتها باعتبارها مصدر إزعاج سياسي، أو تهديد محتمل للسكينة العامة والتماسك الوطني.
ومن هنا، تكتسب مبادرة تنظيم المنتدى أبعاداً تتجاوز مجرد التواصل مع أبناء الوطن في المهجر؛ إذ يبدو أن الرهان يتجه إلى تحويل الخارج من فضاء قد تتسع فيه دوائر الخصومة والتجاذب إلى امتداد طبيعي للحوار الوطني. فحين يجد الموريتانيون في الخارج من يصغي إلى انشغالاتهم، ويمنحهم مساحة للتعبير والمشاركة، تتراجع دوافع التصعيد، وتضيق المساحات التي يمكن أن تنمو فيها الخطابات العدائية أو تُستثمر فيها مشاعر التباعد. ذلك أن إشراك مختلف الأطراف وفتح أبواب الحوار أمامها قد يكون أكثر فاعلية في امتصاص التوتر من تركه يتراكم بعيداً عن قنوات التواصل.
وبهذا المعنى، لا تبدو حلقات التهدئة مجرد خطوات متفرقة، بل ملامح مقاربة سياسية تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة ومختلف مكونات المجتمع، في الداخل والخارج؛ تبدأ بتخفيف الاحتقان، وتمر بتوسيع دائرة المشاركة، وتتطلع إلى بناء قدر من الثقة يسمح بإدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة مع الوطن.
غير أن نجاح هذه المقاربة يظل رهيناً بقدرتها على تجاوز البعد الرمزي للمبادرات إلى بناء تواصل مستمر، قوامه الإصغاء المتبادل والتفاعل الجاد مع مختلف الانشغالات. فالثقة لا تُبنى بمجرد فتح الأبواب، وإنما بما يجده الداخلون إليها من استعداد حقيقي للاستماع والتجاوب. وعندها فقط يصبح الحوار وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها، لا مجرد محطة عابرة في مسار سياسي.
ولعل الرسالة الأعمق في هذا المسار أن الدولة التي تفتح أبواب الحوار أمام أصحاب الرؤى والمواقف المتباينة، لا توسّع دائرة التوافق فحسب، بل تضيق أيضاً المساحات التي يمكن أن تنمو فيها الخصومة.
فالأوطان لا تُصان بإجماع مفروض، ولا تُحصّن بإسكات الأصوات المختلفة، وإنما ببناء الثقة، واحتضان التعدد، وجعل الاختلاف، مهما اتسعت مساحته، يظل داخل سقف الانتماء الوطني.








